ابن هشام الأنصاري

160

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ( 1 ) ، أو باعتبار ما قبلها ، نحو : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ

--> - أن ، كما في قولنا ( اذكر اللّه حتى تطلع الشمس ) فإن معنى هذا الكلام : اذكر اللّه إلى أن تطلع الشمس ، والشيء إذا قام مقام شيء أدى مؤداه ، فوجب أن تؤدي حتى مؤدى كي أو إلى أن ؛ وقد اتفقنا على أن كي تنصب المضارع بنفسها كما اتفقنا على أن ( أن ) تنصب المضارع بنفسها ، فكذلك ما أدى مؤداها ووقع موقعها . وأما البصريون فاحتجوا بأن ( حتى ) قد جاءت في كلام العرب حرف جر تعمل في الأسماء ، نحو قوله تعالى : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وإذا كانت حتى من عوامل الأسماء باتفاق بيننا وبينكم لم يجز أن تكون - مع ذلك - من عوامل الأفعال ، لأن عوامل الأسماء لا تكون عوامل في الأفعال كما أن عوامل الأفعال لا تكون عوامل في الأسماء ، وإنما قلنا إن العامل في الفعل المضارع النصب بعد حتى هو ( أن ) المصدرية مضمرة لنبقيها على حالها الذي ثبت لها بالاتفاق بيننا وبينكم وهي أنها تجر الاسم ، وذلك لأن ( أن ) المصدرية تكون في تأويل مصدر مجرور بحتى . وبقي مما يتعلق بحتى التي ينتصب الفعل المضارع بعدها شروط انتصابه بعدها ، وقد تكفل المؤلف ببيان ذلك ، فلا ضرورة لذكر شيء منه . كما بقي القول على المعنى الذي تدل عليه حتى حينئذ ، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن ( حتى ) التي ينتصب بعدها المضارع تأتي بمعنى كي ، وذلك إذا كان ما قبلها علة لما بعدها ، نحو قولنا ( أسلم حتى تدخل الجنة ) فإن الإسلام علة لدخول الجنة ، كما اتفقت كلمتهم على أن حتى هذه تكون بمعنى إلى ، وذلك إذا كان ما بعدها غاية ينتهي إليه ما قبلها ، نحو قولك ( لأسيرن حتى تطلع الشمس ) فإن من يقول ذلك إنما يريد أن سيره ينتهي بطلوع الشمس ، وقوله تعالى : فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يحتمل كل واحد من هذين المعنيين ، فإنه يجوز أن يكون المراد : قاتلوا الفئة الباغية لكي ترجع إلى أمر اللّه ، كما يحتمل أن يكون المراد : استمروا في قتال الباغية ولا تتركوه إلى أن ترجع ، وقد زاد ابن مالك في التسهيل معنى ثالثا لحتى هذه ، وهو أنها تأتي بمعنى إلا الاستثنائية ، وخرج عليه قول الشاعر : ليس العطاء من الفضول سماحة * حتّى تجود وما لديك قليل كما خرج أتباعه عليه قول امرئ القيس : واللّه لا يذهب شيخي باطلا * حتّى أبير مالكا وكاهلا ( 1 ) سورة الحجرات ، الآية : 9